الشنقيطي

263

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ذكر في هذه الآية الكريمة ، أنه سوف يؤتى المجاهد في سبيله أجرا عظيما سواء أقتل في سبيل اللّه ، أم غلب عدوه ، وظفر به . وبين في موضع آخر : أن كلتا الحالتين حسنى ، وهو قوله : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [ التوبة : 52 ] والحسنى صيغة تفضيل ؛ لأنها تأنيث الأحسن . قوله تعالى : وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [ 84 ] لم يصرح هنا بالذي يحرض عليه المؤمنين ، ما هو ، وصرح في موضع آخر بأنه القتال ، وهو قوله : حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ [ الأنفال : 65 ] وأشار إلى ذلك هنا بقوله في أول الآية : فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ النساء : 84 ] وقوله في آخرها : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ النساء : 84 ] الآية . قوله تعالى : أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ( 88 ) [ 88 ] . أنكر تعالى في هذه الآية الكريمة على من أراد أن يهدي من أضله اللّه ، وصرح فيها بأن من أضله اللّه لا يوجد سبيل إلى هداه ، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 41 ) [ المائدة : 41 ] وقوله : مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ [ الأعراف : 186 ] ويؤخذ من هذه الآيات أن العبد ينبغي له كثرة التضرع والابتهال إلى اللّه تعالى : أن يهديه ولا يضله ، فإن من هداه اللّه لا يضل ، ومن أضله لا هادي له ، ولذا ذكر عن الراسخين في العلم أنهم يقولون : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا [ آل عمران : 8 ] . قوله تعالى : لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ( 95 ) [ 95 ] . ذكر في هذه الآية الكريمة أن فضل المجاهدين في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وأجرا عظيما ، ولم يتعرض لتفضيل بعض المجاهدين على بعض ، ولكنه بين ذلك في موضع آخر وهو قوله : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [ الحديد : 10 ] وقوله في هذه الآية الكريمة : غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [ النساء : 95 ] يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة يحصل ثواب المجاهد . وهذا المفهوم صرح به النبي صلّى اللّه عليه وسلم في حديث أنس الثابت في الصحيح أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم